السيد محمد باقر الصدر

153

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وما يعنينا فعلًا هو البحث الثاني . وأظنّ أنّ من اليسير أن نعرف : أنّ الاستدلال الاستقرائي لا يمكن أن يفسّر على أساس الاستجابة للمنبّه الشرطي ؛ لأنّنا نستخدم الدليل الاستقرائي بشكلين : فتارةً نستدلّ استقرائيّاً على أنّ ( ب ) ستوجد فعلًا ، حين نرى ( أ ) موجودة . وأخرى نستدلّ استقرائيّاً على العبارة الافتراضيّة العامّة القائلة : كلّما وجد ( أ ) وجد ( ب ) عقيبها . فالمستدَلّ بالاستقراء في الحالة الأولى واقعة خاصّة ، والمستدَلّ بالاستقراء في الحالة الثانية هو التعميم الذي نتجاوز فيه حدود التجربة والملاحظة . ولنفترض أنّ بالإمكان القول : بأنّ الاستدلال الاستقرائي في الحالة الأولى ، تعبير عن استجابة مشروطة ، بمعنى : أنّ توقّع وجود ( ب ) في الحالة التي رأينا فيها ( أ ) موجودة ، ليس إلّانفس الاستجابة التي كانت ( ب ) تثيرها ، وقد أثيرت فعلًا بمنبّه شرطي وهو ( أ ) . ولكنّ الاستدلال الاستقرائي في الحالة الثانية يختلف عن ذلك ؛ لأنّ المستدلّ هنا هو التعميم ، والتعميم لم يكن استجابة لمنبّه طبيعي حتّى يمكن إثارتها عن طريق منبّه شرطي يشرط بذلك المنبّه الطبيعي . فالتعميم إذن شيء جديد ، ولا يكفي في حصوله إشراط منبّه بآخر . وهناك نقطة أخرى بالغة الأهميّة في هذا المجال ، تبرهن على خطأ التفسير السلوكي للاستدلال الاستقرائي ، وهي أنّ الدليل الاستقرائي لا يُستخدَم فقط لإثبات قضايا من قبيل « ( أ ) تعقبها ( ب ) » ، بل إنّه يقوم - عادة - بدور أكبر من ذلك ، فيثبت العالم الخارجي . وسوف نعرف في القسم الأخير من هذا الكتاب - إن شاء اللَّه تعالى - أنّ السند الحقيقي الذي يعتمد عليه الإنسان السويّ في اعتقاده بوجود واقع موضوعي للظواهر التي يدركها من العالم الخارجي هو الاستقراء . وواضح في هذا التطبيق للدليل الاستقرائي : أنّ النتيجة المستدَلّة استقرائيّاً ليست